عبد الملك الجويني
186
الشامل في أصول الدين
واحد منهما مريدا بها ، فكيف ثبتت الداعية إلى الكراهية مع ثبوت الإرادة والاتصاف بها ، والإلزام في القديمين اللذين لا يتصفان إلا بإرادة ما يحسن وإذا لزم اجتماعهما في إرادة حسن مع العلم بحسنه ، لم يتصور داعية في الكراهية . ثم لو صورت الكراهية [ لكنّا ] جميعا كارهين بها . ووجه الإلزام في الكراهة كوجه الإلزام في الإرادة . ومما يوضح ما قلناه أن نقول : حسن الإرادة والكراهية يتلقى من حسن المراد ، فما حسن في نفسه ، حسنت إرادته . ثم قد يتصور أن يكون الشيء وضده مستويين في حكم المصلحة واللطف والوقوع على صفة الحسن ، إذ لا استنكار في أن يقع في معلوم اللّه سبحانه وتعالى أنه لو حرك جسما لكان ذلك في المصلحة كتسكينه . فإذا وضح تساويهما من غير ترجيح بأحدهما على الآخر في قضية المصلحة ، فيستوي دعاء العلم إلى كل واحد منهما ، ولا يقع أحدهما بالداعية حتى يعتضد بالإرادة . فإذا ثبت ذلك ، فرضنا على خصومنا إرادة وكراهية فيما يستوي فعله وضده في اللطف والمصلحة ، فلا تترجح إحدى الداعيتين على الأخرى أصلا ، فكيف تستقيم مع ذلك إحالة وقوع الإرادة على الدواعي عند ضيق المسلك في الإرادة ؟ فإن رجعوا إلى الانصاف قالوا : الإرادة تقع من غير إرادة ولا داعية ، فقد أفصحوا ببطلان ما عولوا عليه في الجواب من ذكر الدواعي وإحلالها محل الاختلاف في القصد والإرادة . فإذا قال قائل منهم : إن هذا الذي قلتموه ليس يلزم . وذلك أن الإرادة في غير محل ، وإن لزم أن يتصف بها القديمان ، فإنما ندعوا الاتصاف بها إلى محاولة المقدور . فأما محاولة مقدور الغير عند الاتصاف بالإرادة له فلا تصح . ويخرج من ذلك أنا - وإن التزمنا كون كل واحد منهما مريدا - فإنما يحاول كل واحد منهما مقدوره ، وهذا الذي ذكروه تلبيس لا محصول له . وإيجاب القول فيه أنه إذا ثبت أن أحدهما يريد مراد الثاني ، فكيف يتصور منه ، مع إرادته لمراد الثاني ، أن يريد ضده ، وقد علمنا ضرورة استحالة الاتصاف بإرادة الشيء ، وإرادة ضده مع العلم بتضادهما . فلم ينفعهم ما قالوا من اختصاص كل واحد منهما بمقدوره ، وهذا واضح لا خفاء به . فإن قيل : بم تنكرون على من يزعم أن الإرادة المخلوقة في غير محل تختص بفاعل الإرادة بصفة هي في نفسها عليها توجب تلك لصفة اختصاصها بفاعلها دون من يفعلها ؟ قلنا : هذا لا يغنيكم عما أريد بكم لوجهين : أحدهما : أنكم قلتم : يستحيل أن يخلق اللّه تعالى جزءا من الفناء مختصا ببعض الجواهر ؛ بل أوجبتم عدم جميع الجواهر دفعة واحدة ، فلا يجوز تقدير فناء على صفة ، توجب له تلك الصفة الاختصاص ببعض الجواهر . ولما روجعتم في ذلك وطولبتم بإيضاحه